ابن الجوزي

228

زاد المسير في علم التفسير

من قرأ القرآن واتبع ما فيه ، هداه الله من الضلالة ، ووقاه سوء الحساب ، ولقد ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ، ثم قرأ هذه الآية . قوله تعالى : * ( ومن أعرض عن ذكري ) * قال عطاء : عن موعظتي . وقال ابن السائب : عن القرآن ولم يؤمن به ولم يتبعه . قوله تعالى : * ( فإن له معيشة ضنكا ) * قال أبو عبيدة : معناه : معيشة ضيقة ، والضنك يوصف به الأنثى والذكر بغير هاء ، وكل عيش أو مكان أو منزل ضيق ، فهو ضنك ، وأنشد : وإن نزلوا بضنك فانزل وقال الزجاج : الضنك أصله في اللغة : الضيق والشدة . وللمفسرين في المراد بهذه المعيشة خمسة أقوال : أحدها . أنها عذاب القبر ، رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتدرون ما المعيشة الضنك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : عذاب الكافر في قبره ، والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم القيامة " . وممن ذهب إلى أنه عذاب القبر ابن مسعود ، وأبو سعيد الخدري ، والسدي . والثاني : أنه ضغطة القبر حتى تختلف أضلاعه فيه ، رواه عطاء عن ابن عباس . والثالث : شدة عيشه في النار ، رواه الضحاك عن ابن عباس ، وبه قال الحسن ، وقتادة ، وابن زيد . قال ابن السائب : وتلك المعيشة من الضريع والزقوم . والرابع : أن المعيشة الضنك : كسب الحرام ، روى الضحاك عن ابن عباس قال : المعيشة الضنك : أن تضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدى لشئ منها ، وله معيشة حرام يركض فيها . قال الضحاك : فهذه المعيشة هي الكسب الخبيث ، وبه قال عكرمة . والخامس : أن المعيشة الضنك : المال الذي لا يتقي الله صاحبه فيه ، رواه العوفي عن ابن عباس . فخرج في مكان المعيشة ثلاثة أقوال : أحدها : القبر . والثاني : الدنيا . والثالث : جهنم .